المسلمون المعتدلون بين التطرف والتقصير
والافراط والتفريط
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين .
في مستهل حديثي عن التطرف والاعتدال أحب أن أبدأ بقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}(1) وبقوله صلى الله عليه وسلم (2) (( ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة وهي ما أنا عليه وأصحابي )) .
وقد روى الخطيب البغدادي بإسناده عن موسى بن يسار أحد السلف المشهورين أنه قال : (( لا تأخذوا العلم إلا من أفواه العلماء )) وقال (( الذي يأخذ العلم من الكتب يقال له الصحفي والذي يأخذ القرءان من المصحف يقال له مصحفي )) .
وقد ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنما العلم بالتعلم ))
رواه الطبراني في الكبير وروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن الإمام التابعي الجليل محمد بن سرين (( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم )) .
وقال الإمام الطحاوي عن الإسلام (( وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل )).
كما قال العلامة ابن العماد في منظومته .
لم يجعلِ اللهُ في ذا الدين من حرجٍ لُطْـفاً وَجُوداً على إحيا خليقتِهِ
وما التنـطعُ إلا نزْعــةٌ وردتْ من مكر إبليسَ فاحذرْ سوءَ فتنتِهِ
إن تسـتمـعْ قَولَـهُ فيما يوسوسُهُ أو نصح رأي له ترجعْ بخـيبـتِهِ
القـصدُ خيرٌ وخيرُ الأمرِ أوسطُهُ دعِ التعـمـقَ و أحذرْ داء نكبتِهِ
سأتناول في بحثي اليوم عن التطرف والاعتدال :
التطرف قديماً وحديثاً .
التطرف في العقيدة والفروع .
التطرف في العمل الميداني .
أسبابه وعواقبه .
طرق علاجه .
الاعتدال وأهله وثمرته
.
لقد دخل في الإسلام قوم خلصت قلوبهم من أدران التقليد الجاهلي البغيض والعصبية النتنة وصفت نفوسهم لما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا أهل العدل والتوحيد وهم الفرقة الناجية . ودخل على الخط للتشويش وتمزيق الصف أصناف من الناس لا انشرحت صدورهم للإسلام ولا صفت قلوبهم من المذاهب الهدامة والأفكار الموبوءة وتستروا بدعوى الإسلام والعمل الإسلامي فراحوا ينشرون الشر ويشقون الصف فمنهم من وافق اليهودية في بعض عقائدها أو المجوسية فيما تدعو إليه أو الوثنية فيما كانت عليه والكل يزعم أنه على الإسلام وإنه يدع للإسلام حتى جاوزت فرق الضلال التي تدعي الإسلام السبعين . وكان المسلمون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا .
التطرف قديماً وحديثا
ثم صارت فتنة المرتدين ومسيلمة الكذاب ثم بعد ذلك قتال البغاة الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .كما في الحديث (( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار )) فمن التطرف في العقيدة قديماً بعد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أمر مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة (1)؛ وكذلك زوجته سجاح بنت الحارث بن سويد التي ادعت النبوة (2) . وكذلك الأسود بن زيد العنسي كذّاب صنعاء الذي قتله فيروز الديلمي وكذلك حصل الخروج عن جادة الحق في زمن المتأخرين من الصحابة من معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم الذين خالفوا في مسألة القدر فامتنع متأخرو الصحابة من السلام عليهم والصلاة على جنائزهم . فشملهم حديث (( القدرية مجوس هذه الأمة )) رواه أبو داود .
التطرف في العقيدة والفروع
وكذلك فتنة الخوارج الذين كفروا علياً ومعاوية والحكمين أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص بسبب التحكيم وكفروا أصحاب الجمل وطلحة والزبير وعائشة وكل من رضي بتحكيم الحكمين . وكفروا مرتكب الذنب من المسلمين سواء كان صغيراً أم كبيراً (3) .
ثم اختلفت فيما بينها فصارت مقدار عشرين فرقة كل فرقة تكفر غيرها وقد روى الحافظ محمد بن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تهذيب الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( صنفان ليس لهما نصيب في الإسلام المرجئة والقدرية )) وصححه الحافظ أبو الحسن القطان واستشهد به أبو حنيفة في بعض رسائل الاعتقاد .
ثم بعدهم كانت فتنة المعتزلة القدرية ، ففي أيام الحسن البصري حصل خلاف واصل بن عطاء وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في مسألة القدر وفي المنـزلة بين المنـزلتين فطردهما الحسن من مجلسه فاعتزلا إلى سارية من سوارى مسجد البصرة فقيل لهما ولاتباعهما معتزلة لاعتزالهم قول الأمة في دعواهما أن الفاسق من أمة محمد لا مؤمن ولا كافر وهم القدرية (4) حيث إن واصل بن عطاء كَفَرَ في باب القدر بإثبات خالقين لأعمال العبد سوى الله تعالى بقوله (( اللهُ خلق العباد وهم خلقوا أعمالهم الخير منها )) وكذلك افترقت القدرية المعتزلة عن الحق عشرين فرقة كل فرقة تكفر غيرها .
وفي زمن علي رضي الله عنه فإن السبئية منهم من قال لعلي رضي الله عنه (( أنت الإله أنت إلهنا وخالقنا ورازقنا )) فأحرق علي قوماً منهم ونفى ابن سبأ عبد الله . وقال : إني إذا رأيت أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا وكذلك ظهرت المرجئة وهم القائلون (( لا يضر مع الإيمان ذنب )) فمهما عمل المؤمن من المعاصي لا يعاقب عندهم . يقولون كما لا تنفع الطاعة مع الكفر كذلك لا تضر المعصية مع الإيمان . وكذلك الجبرية القائلون أن لا فعل للعباد على الحقيقة ولا إرادة لهم في أفعالهم . ثم في عهد الخليفة المقتدر بالله العباسي ظهر الحسين بن منصور الحلاج يدعي التصوف وكان له اتباع على منهجه الرديء حيث كان يقول ( أنا الله وما في الجبة إلا الله ) ثم لما قتله الخليفة ادعى مريدوه أنه جرى دمه على الأرض فكتب (لا إله إلا الله الحلاج ولي الله ) . فقال فيه الإمام الرفاعي الكبير ( لو كان على الحق ما قال أنا الحق ) .
ومن التطرف قديماً ما وقع فيه ابن تيمية الحراني في أوئل القرن الثامن الهجري الذي قال إن العالم أزلي النوع كما نص على ذلك في خمسة من كتبه : منهاج السنة النبوية ـ موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول ـ وكتاب شرح حديث النـزول ـ وكتاب شرح حديث عمران بن الحصين ـ وكتاب نقد مراتب الإجماع . فوافق الفلاسفة الذين كفَّرهم هو لقولهم العالم أزلي النوع والمادة وافقهم في مقالتهم الأولى . وقد رد قول ابن حزم بإجماع المسلمين على تكفير من خالف في أن الله كان في الأزل وحده لم يزل وحده ثم خلق العالم في كتابه نقد مراتب الإجماع
وقال فيه المحدث الحافظ الفقيه تقي الدين السبكي من علماء عصره المجتهدين : يرى حوادث لا مبدا لأولها في الله سبحانه عما يظن به (5) ومما قاله ابن تيمية إن الله على عرشه ما يفضل منه سوى أربع أصابع وفي هذا نسبة الجلوس إلى الله وهو محال . ومن الشواهد على أن ابن تيمية من المجسمة ما نقله عنه ابو حيان الأندلسي في تفسيره النهر الماد من البحر المحيط (6) في تفسير ءاية الكرسي قال : وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخط يده سماه كتاب العرش إن الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يُقعِد فيه معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تحيل عليه التاج محمد بن علي بن عبد الحق الباربناري وكان أظهر أنه داعية له حتى أخذه منه وقرأنا ذلك فيه . ا . هـ . كما في النسخة الخطية في حلب .
ومن مقالات ابن تيمية في كتابه منهاج السنة النبوية : (إن القتال مع علي لا هو واجب ولا هو سنة ) (7) . وهذا ظاهر البطلان مخالف للقرءان قال الله تعالى : { فقاتلوا التي تبغي} ( 8 ) وفي هذا تنقيص للإمام علي رضي الله عنه .
وعن شذوذه عن الإجماع يقول الحافظ ابو زرعة في كتابه الأجوبة المرضية أن ابن تيمية خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة .
وقد قال بفناء النار حتى رد عليه السبكي في كتاب سماه الاعتبار ببقاء الجنة والنار ومن أراد أن يعرف زيغ ابن تيمية فلينظر إلى ما ذكره صاحب كتاب نجم المهتدي وهو ابن العالم القرشي وكتاب عيون التاريخ لصلاح الصفدي ولينظر في عبارة الذهبي في كتابه بيان زغل العلم والطلب فإنه ذكر أنه ما جرى عليه وعلى أتباعه من التعذيب إلا بعض ما يستحقون .
وقد نسب الحافظ السخاوي هذا الكتاب إلى الذهبي في كتابه الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ .
ومن التطرف الذي سببه ابن تيمية الحراني وتفرع عنه وعن فتاويه الباطلة في العقيدة والفروع مذهب محمد بن عبد الوهاب من الدرعية من بلاد نجد التي ورد في الحديث أنه يطلع منها قرن الشيطان والذي توفي قبل مائتين و عشرين سنة تقرياً وكانت له زلات وضلالات في العقيدة خطيرة وقد ألف مفتي مكة الشيخ السيد أحمد زيني دحلان كتاباً في الرد عليه وعلى من على سيرته سماه الدرر السنية في الرد على الوهابية حيث يمنع هؤلاء التوسل بالأنبياء وزيارة قبور الصالحين للتبرك ويتهمون فاعله بالشرك والكفر . فكفروا أكثر الأمة واستحلوا دماءهم وأموالهم وجعلوهم مثل المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .
وهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان جهراً وقد ذكر المفتي دحلان أن محمد بن عبد الوهاب قتل رجلاً أعمى كان مؤذناً صالحاً ذا صوت حسن نهاه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على المئذنة بعد الأذان فلم ينتهي فأمر بقتله فقُتل . حتى إن بعض أتباعه كان يقول عصاي هذه خير من محمد لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً وإنما هو طارش وقد مضى ـ أي حامل كتب . وكان يقول لهم والعياذ بالله تعالى إني أدعوكم إلى الدين وجميع من هو تحت السبع الطباق مشرك على الإطلاق ومن قتل مشركاً فله الجنة .
ومنع من قراءة المولد الشريف وكان يعرض لبعضٍ بدعواه النبوة (9)
ثم إن هذا التطرف في العقيدة استمرت فصوله وتنوعت بحبائل الشيطان حتى ظهرت طائفة جديدة ضالة في قاديان بباكستان ألا وهم القاديانية اتباع غلام أحمد القادياني الباكستاني الذي ادعى النبوة فقد قال عن نفسه إنه نبي رسول وقال إنها نبوة تجديدية وقال إنها نبوة ظلية أي تحت ظل محمد صلى الله عليه وسلم كما في كتاب له سماه الخطبة الالهامية .
فالمسلمون قاموا ليقتلوه أول ما دعى إلى الإيمان بأنه نبي فاحتمى بأعداء الدين فشرطوا عليه أن يعطل حركة الجهاد في الهند كلها ثم قام بعض ذريته بتلك الدعوة .
وإلى الآن التطرف البغيض ضد الإسلام مستمر في الهند على أيدي الهندوس الذين يهدمون المساجد ويذبحون الآلاف من المسلمين .
وعلى هذه الشاكلة من إفرازات الاستعمار ظهرت الطائفة البهائية الذين يزعمون أن زعيمهم المسمى بهاء الله الميرزا علي محمد الشرازي حل الإله فيه وهذا على مذهب الحسين الحلاج من جهلة المتصوفة المتطرفين . وقد ظهرت البهائية في بلاد فارس ثم انتقلت إلى الهند في مطلع هذا القرن الذين منهم من يقول إن الله حل في كل شيء في السموات وفي الأرض ، وفي الأبدان واتحد بها .
وقد قال الشيخ محيي الدين بن عربي المدفون بدمشق (( من قال بالحلول فدينه معلول وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد )) . ولكن بعض كتبه دخلها الدس من هذا القبيل ، ككتاب فصوص الحكم ـ والفتحات المكية فلنحذر فإن كثيرين من أدعياء التصوف يعتمدونها مع ما فيها من الشطط .
وكم عانى المسلمون قديماً وحديثاً من هذا النوع من التطرف حتى كثرت الفتن والمحن وتعددت الفرق والجماعات . إن هذا التطرف في العقيدة والذي أتينا على ذكر بعض الأمثلة عليه أوصل المجتمع المعاصر إلى بلايا جديدة ومصائب شديدة بسبب أحفاد الخوارج وأتباع ابن تيمية في فكره السياسي والدين.
يتبع